الأحد، 29 يناير 2012

إقتباسات بحجم كارثة...رسالة إلى الدكتور عبدالله الحراصي



إلى الأستاذ عبدالله الحراصي               تحية طيبة
        أحييك على طرحك الرائع، الذي تدعو فيه إلى الحوار بين المختلفين على كافة الصعد والمجالات، وعدم "دفن رؤوسنا في رمال التجاهل والإنكار"، منطلقاً من إشكال رئيسي تعاني منه الثقافة العمانية المعاصرة هو غياب المنابر الحوارية، ضارباً مثالاً  على المختلفين فكرياً بما يشهده الفكر الديني العماني المعاصر من إختلاف شديد التأزم بين تيارين جديد وتقليدي كما تصفهما، وتقترح إنشاء "مجلس للحوار" بعد أن تذكر بعض فوائد الحوار بين المختلفين.
     أستاذي الفاضل أوافقك على جل ما طرحت من حيث وجود تيارات فكرية وثقافية متنوعة، ودعوتك للحوار بين المختلفين لما فيه مصلحة للمجتمع من جانب الواقع والفكر.
      لكن أختلف معك في بعض ما طرحت، فأنت ترى أن الإشكال الرئيس الذي يعاني منه المجتمع هو "غياب المنابر التي يمكن من خلالها لهذه العناصر الفكرية والثقافية أن تتناقش مع بعضها البعض"، لا أرى هذا إشكالاً كبيراً فوسائل الحوار كثيرة ومتنوعة من كتب ومنتديات انترنت وصحف لقاءات وغيرها، هناك إشكالات عدة- لا مجال لذكرها هنا- والإشكال الرئيسي كما أظن هو غياب عقل الفرد الحر الذي يؤمن بنفسه وبقدراته على الوصول إلى الحقيقة، ويؤمن بحق الآخر بالإختلاف، وكل إختلاف يمارسه صاحب فكر حر يعتبر خارجاً عن معتقدات العقل الجمعي القائمة والمترسخة بالتقليد، هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى ليس سبب التنافر والتأزم بين الطرفين هو غياب وسائل الحوار المباشر بل غياب العقلية التي تؤمن بالحوار مع الآخر، وقبل ذلك الإيمان بحق الآخرين بالإختلاف مع ما نعتقد.
      وهنا أسجل إستغرابي الشديد-وأنت تدعو لحوار بين المختلفين- من نقلك لعبارتين:"بجحم كارثة" من كلام سماحة المفتي يصف فيها الطرف الآخر-الذي يبدو لي مستضعفاً- بالغي والضلال والإستخفاف والشذوذ والخروج عن الإسلام، ويصف فكرهم"بالفكر القذر"!!!، ويرى أنه هو الإسلام الصحيح كما يريده الله عزوجل للناس، وأي فكر مخالف له ولما يعتقد -عن طريق التقليد-، حتى ولو كان في إطار الإختلاف المشروع في فهم نصوص القرآن الكريم المتشابه وغير المحكم، وحتى ولو كان ليس جديداً على مستوى تاريخ الفكر الإسلامي الذي كان أكثر خصوبة وتنوعاً من هذا العصر البائس، فأغلب طروحاتهم تدور في فلك ومقالات المعتزلة وغيرهم ممن ظهروا في تاريخنا الفكري الإسلامي ، وكانوا علامة على رقيه وتطوره وحداثته أكثر مما نحن عليه اليوم.
       بالله عليك ياأستاذ عبدالله -وهذه نظرة طرف لآخر-، أي بيئة صحية وإنسانية وشفافة يمكن فيها قيام حوار مثمر بين الطرفين في حال توفر الوسائل لذلك؟؟!!
       ومن ناحية أخرى كأني بك تناقض نفسك، فأنت الذي تحث على رفض"أن ندفن رؤوسنا في رمال التجاهل والإنكار"، تقوم بدفن فكرك في رمال الوصاية وقداسة فكر البشر، بعدم توجيهك أي كلمة أو حتى حرفاً تعليقاً على ما أقتبسته من كلام سماحته، ألا يستحق هذا النقل بتلك الألفاظ-التي لاتصلح لبيئة حوارية، وهذا أقل ما يقال عنها- التعليق، أم أنك من الذين يعرفون الحقَّ بالرجال ولا يعرفون الرجالَ بالحق، أم تلك الإقتباسات في درجة القرآن المقدس الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟؟!!
      أستاذي العزيز ....
      إقتباساتك تنسف طرحك من أساسه!
      كيف تقوم في مجتمعنا بيئة إنسانية حوارية فيها نقاش بين المختلفين وطرف يريد أن يمارس كهنوتاً ووصاية على أفكار الآخرين وكأنه يعيش في عصر يشابه العصر القروسطي الأوربي، وديننا الإسلامي الحنيف الذي لا كهنوت فيه ولا وصاية لأحد على أحد "لست عليهم بمسيطر"، وهديناه النجدين"، " لكم دينكم ولي دين"، وهو يدعي تمثيله لا بل إمتلاكه والحديث لوحده باسمه ؟!
   كيف يقوم حوار بين طرفين أو عدة أطراف، وأحدها يرى أنه على الحق المطلق، وغيره على الباطل المطلق؟!
    كيف يقوم حوار بين طرفين أو عدة أطراف، ومصطلحات "التقذير، والتحقير، والتضليل، والتكفير "هي السائدة في خطاب أحد الطرفين لوصف فكر الطرف الآخر؟!
     كيف يقوم حوار وطرف-يسمح لنفسه- أن يقيم محكمة تفتيش يحاكم أفكار الآخرين وأشخاصهم، ويطلب منهم التوبة والرجوع للدين الإسلامي!!، لمجرد الإختلاف البسيط؟! 
هل هذا الوضع  يمكن أن يسمح بمجرد التفكير والتعبير عن الرأي
حتى يسمح بالحوار والنقاش الشفاف و المثمر والمفيد للمجتمع وللفكر والأفراد؟!

  وفي الختام أكرر شكري على طرحك الرائع في توجهه، مع الإعتذار عن الإطالة.


الحرية بين الإباضية والمعتزلة



     
نشر الدكتور زكريا المحرمي مقاله"الإسلام والليبرالية" في مجلة نزوى العدد 62، وفي العدد الثاني من مجلة الفلق في شهر أبريل الماضي، حيث توصل في نهايته إلى مجموعة من النتائج، منها: أنّ الكاتب يرى  "حضوراً مكثفاً للحرية في التراث الإسلامي من خلال الإباضية والمعتزلة"، ويدلل على كلامه من خلال قلة الروايات عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهو يعتبر إن كثرة الروايات هي السبب في فقدان الحرية وعدم حضورها في بعض المذاهب والفرق، والإقلال منها سبب لحضور الحرية بكثافة في أخرى، وبما أنّ الإباضية والمعتزلة مقلين منْ الروايات فالحرية حاضرة بكثافة في أفكارهما، والمذهبان متفقان في هذه القضية.
     من الطريف في هذا السياق أنّ الإباضية يتفقوا مع المعتزلة في أغلب المسائل الرئيسية في علم الكلام: كالصفات الإلهية، ومصير مرتكب الكبيرة، وخلق القرآن، والرؤية، والشفاعة، والإمامة، لكن الاختلاف الرئيسي بينهما كان في قضية العدل، أو ما سمي القضاء والقدر أو أفعال الإنسان.
      وفي تاريخ الفكر الإسلامي ارتبطت مسألة حرية الإنسان بقضية القضاء والقدر، حيث يمكن تصنيف آراء الفرق-في هذه القضية- إلى ثلاث أقسام: الأول المعتزلة القائلون بحرية الإنسان الكاملة، في الجانب المقابل لهذه الإتجاه الجبرية التي تنفي الحرية نفياً كاملاً، والثالث حاول التوفيق أو التلفيق بين الرأيين السابقين، فتهافت لعدم اتساقه المنطقي والمنهجي، وفشله في التعبير عن حرية الإنسان.
     نرى أنّ هناك عدة اعتبارات أو معايير يمكننا من خلالها أنْ نثبت أو ننفي أنّ هناك حضوراً للحرية أياً كانت درجته في مذهب من المذاهب أو فرقة من الفرق، أهمها: الموقف من دور العقل ومدى أهميته-فحرية العقل مكافئة لحرية الإنسان-، ويرتبط به مدى قدرة الإنسان على الاختيار واستطاعته وإرادته، فهذه الاعتبارات يمكن من خلالها الحكم، أما الرواية فلا أرى أنّها تصلح أنْ تكون معياراً لذلك، والسبب أنْ الجميع وظف الرواية في خدمة مذهبه وآراءه-وإنْ كان بدرجات متفاوتة-.
     بالنسبة للمعتزلة فنتفق مع الدكتور على " الحضور المكثف للحرية" في مذهبهم، يؤكد ذلك إعلائهم من شأن العقل، ومقولتهم أنّ الإنسان خالق لأفعاله ليؤكدوا على حرية الإنسان وقدرته واستطاعته وفعاليته، يقول أبو طاهر الطريثيثي في كتابه متشابه القرآن:".. وبعد فقد بينا أن تفسيرهم رد منهم لدلالة العقل والكتاب والسنة والإجماع"، فالعقل أول الأدلة، ويقول القاضي عبدالجبار(415هـ) في كتابه شرح الأصول الخمسة:"إن أفعال العباد غير مخلوقة فيهم، وإنهم المحدثون لها، فالله تعالى لا يجوز أن يكون خالقاً لأفعال العباد...، يقول تعالى:(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)،فقد فوض الأمر في ذلك إلى اختيارنا"، أي أنّ الإنسان يحدث أفعاله وتصرفاته، لذلك فهو يتمتع بالحرية الكاملة في أنْ يختار بين الإيمان والكفر.
      أما في المذهب الكلامي عند الإباضية فلا نجد فيه هذه المعايير -بهذا الاتجاه- التي من خلالها يمكن أنْ نقول بحضور الحرية فيه، فالإباضية يقدموا النقل على العقل ويكبلوه به، ولا يؤمنوا أنّ الإنسان يخلق أفعاله- المعبر عن أقصى ما يمكن  في التأكيد على حرية الإنسان-، بل يؤمنوا بنظرية الكسب-وأول من قال بها ضرار بن عمرو الذي عاش في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث الهجري- وهي تعبر عن تناقض وعدم اتساق فكري، بقصورها في التعبير عن حرية الإنسان المقابلة لعدل الله عزوجل.
     يقول ابن بركة(362هـ)-وهو من أبرز علماء الإباضية-، في كتابه الجامع في الصفحتين 159-160:".. لم يفوض الأمرَ إلى عباده ليستبد كل إمرئ منهم بمراده،.....أفليس في هذا القرآن دليل لأولي التمييز والأبصار على أنّه لا يستطيع من سبق له الخذلان أنْ يدخل في ملة أهل الإيمان، ولا يقدر أحد ممن سعد بالإسلام على الخروج من الإيمان إلا بمشيئة الله تعالى فلا سابق لأمره ولا راد لحكمه، خالق الخلق ومدبر الأمر، تعالى الله عما يقول المبطلون"، فالإنسان كما يرى ابن بركة:"لم يفوض الأمر إليه،..لا يستطيع...ولا يقدر.."، هل يمكن أنْ نفهم من هذا التراكيب أكثر من أنّ الإنسان مجبر، وكيف يمكن أنْ نثبت حضوراً مكثفاً للحرية في المذهب الإباضي، ونحن لم نستطع حتى أنْ نثبت حضورَ أقلَ قدرٍ من حرية الإنسان.
     ومن الطريف-أيضاً- أنّ ابن بركة(362هـ)، يرد بكلامه هذا على من يصفهم بالمبطلين، لا بل الملحدين المنكرين لأحكام كتاب الله، وهو هنا يقصد المعتزلة بالتأكيد، يقول عنهم:"..إذ قالوا: فقد شاء الله من الخلق أنْ يؤمنوا وكره منهم أن يكفروا، وأحب الكافرون أنفسهم أنْ يكفروا فكانت محبتهم غالبة لمحبته، ومشيئتهم ظاهرة على مشيئته، فهم إن شاءوا أن يكفروا نفذت مشيئتهم..".
     لذلك فكلام الدكتور غير دقيق في جمعه بين الفرقتين في قضية الحضور المكثف للحرية، لاختلاف موقفهما- الاختلاف هنا يصل إلى أقصى مدى، حيث يعبر ابن بركة عن حدته من خلال وصف المعتزلة بالمبطلين والملحدين والمنكرين للقرآن- من المعايير التي تؤسس لحرية الإنسان، ويمكننا من خلالها قياس مدى حضورها، فهاهنا لا يمكن الجمع ألبتة بين الإباضية والمعتزلة في سلة واحدة في هذه القضية.

اتفاق دما وفتنة خلق القرآن العمانية



       في فترة إمامة المهنا بن جيفر(226-237هـ) اجتمع الأشياخ -أي كبار علماء الإباضيّة- في دما (السيب حالياً) ليقرروا التخلي عن التصريح ب"مقالة خلق القرآن"، والرجوع إلى "قول السلف"غير المصرح بخلق القرآن أو عدمه، والمكتفي بوصف القرآن بأنّه كلام الله ووحيه وتنزيله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم[1]، هذا التخلي عن التصريح ب"خلق القرآن" فُهم منه أنّ الإباضية يقولون ب"قدم القرآن"، وقد شاع هذا الرأي لدرجة أنّ شجع بعض مَنْ جاء مِن كبار علماء المذهب على القول "بقدم القرآن" مثل عزان بن الصقر (ت: 268 أو 278هـ)، ومحمد بن إبراهيم الكندي(ت:508هـ)، وابن النضر (ت:690هـ؟)، فهل مَثّلَ التخلي عن التصريح ب"خلق القرآن" تراجع المذهب عن مقولته هذه، طبعاً لا. لم يغير علماء الإباضية موقفهم، والرأي الرسمي للمذهب الإباضي هو القول ب"خلق القرآن" كما هو معروف[2].
      من هنا فالسؤال الذي يطرح نفسه -بقوة- في هذا السياق: لماذا قرر "الأشياخ" كبار علماء المذهب التخلي عن التصريح ب"خلق القرآن"، وفي هذا الوقت بالتحديد؟
      قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد لنا أنْ نقدم بعض التوضيحات حول عناصر الموضوع، وهي التعريف ب"خلق القرآن"، والمنهج الذي سنتبعه في تحليلنا لهذه القضية في نسختها العمانيّة،ونموذجين سابقين لدراستها، ثم أخيراً نقوم بتحليلها في إطارها الديني والسياسي للإجابة عن سؤالنا.
1:محنة خلق القرآن في إطارها الإسلامي العام:
      "محنة خلق القرآن" من أشهر القضايا في تاريخ الإسلام الفكري والسياسي، ونحن هنا نعرضها  من زاوية محددة تخدم تحليلنا لقضيتنا، فليس هدفنا دراستها-أي المحنة- بل نتحدث عنها كمدخل لموضوعنا، وقد تحدثت عنها مصادر ومراجع كثيرة قديمة وحديثة، لكننا سنختار كتابين حديثين، يفسران هذه الحادثة تفسيراً موضوعاً وعلميّاً-كما نظن- بعيد عن التحيز والتحزب أياً كان نوعهما، ويكشفان عنْ أسبابها التاريخيّة وتداعيتها السياسيّة والفكريّة، وهما كتاب المثقفين في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد للمفكر الراحل محمد عابد الجابري، والكتاب الثاني المحنة: بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام للأستاذ فهمي جدعان، لنلخص منهما أطروحتي الكاتبين في القضية.
(1)
      نبدأ بالكتاب الأول كتاب الجابري، حيث يتعرض لقضية خلق القرآن في إطار حديثه عن دور المثقفين والثقافة والأفكار في التاريخ الإسلامي، ويصل في تفسيره لهذه القضية إلى أنّ المأمون(198-218هـ) والمعتصم(218-227هـ) والواثق(227-232هـ) وظفوا القول بخلق القرآن توظيفاً سياسياً، فالصراع بين القائلين بالخلق والقائلين بالقدم لم يكن فقط صراعاً كلامياً عقدياً بل كان صراعاً سياسياً هدد فيه القائلون بالقدم سلطة الخلفاء الثلاثة، فالقائل بالقدم معارض للسلطة، فما كان من المأمون إلا أنْ يتبنى المقالة المضادة أي القول بالخلق ليس على المستوى العقدي كما يبدو في الظاهر، بل كشعار سياسي يحافظ به على سلطته، من خلال استقطابه للقائلين بالخلق ضد القائلين بالقدم[3]
      وأما الكتاب الثاني فيعيد قراءة القضية من خلال "نظر" يهدف إلى فهم أعمق لطبيعة النظام الديني-السياسيّ في الإسلام، ويصل إلى أنّه ليس هناك دليل على إتهام المعتزلة بتحريض المأمون على امتحان الناس، وما تبني المأمون لهذه العقيدة-أي القول بخلق القرآن- إلا تعبير عنْ قرار سياسي[4].
    إنّ الجيد في هذين الكتابين هو المنهج والرؤية المتبعين فيهما، وخروجهما عن التفسيرات التقليديّة الغارقة في التعصب المذهبي، والصادرة من رؤيا متحيزة، إنّه منهج بعيد عن الإيدلوجيا بمقدار كبير، وذلك يساعد في فهم الأموركما ينبغي، وسنقوم بتفصيل الحديث في الفقرة التالية عن المنهج.
(2)
     لماذا، وكيف نفسر حادثة "إتفاق دما"؟
     إن تفسيرها ضروري، لأسباب منها: نحن بحاجة إلى اكتساب فهم علمي موضوعي لحوادث تاريخنا العماني يكون أقرب ما يمكن من الحقيقة الموضوعيّة، فتاريخنا العماني بنواحيه المختلفة لم يدرس دراسة كافية، وما أجري عليه من دراسات يسيطر عليها النواحي المدرسيّة والتوجه الدينوي المذهبي في تفسير التاريخ-إلا ما ندر-، فنحن في حاجة ماسة لتطبيق المنهج العلمي لدراسة تاريخنا واكتساب وعي صحيح عنه يفيدنا في فهم ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا.
      أما كيف نفسر حوادث التاريخ تفسيراً علميّاً موضوعيّاً، فإنّنا نحتاج لننجح في هذا الهدف إلى شيئين: منهج علمي، ورؤية تاريخيّة تربط بين مختلف الجوانب المكونة للأحداث؛ أما الرؤية: فهناك ارتباط بين الفكر أي النظريّة، والسياسة أي الواقع المعاش، وما النقاشات الفكريّة سوى تعبير عن المواقف السياسيّة، وأنّه لا يمكن الاعتماد في تفسير الأحداث التاريخيّة على البعد الديني أو المذهبي فقط، أو القيمي الأخلاقي، بل ينبغي الإنطلاق من نظرة شموليّة لجميع الأبعاد المكونة للتاريخ، وخاصة البعد السياسي.
     وأما المنهج-لانقصد طبعاً المعنى العام والواسع للمنهج- الذي سنسير عليه فهو منهج يضع له الأستاذ الجابري[5] ثلاثة شروط، وهي:
      1-عدم التحزب، ويعني عدم الإنحياز لجانب دون الآخر، وكذلك يمكن أنْ يعني الفصل بين الإنتماء المذهبي أو الديني وبين الموضوع حين يكون الباحث منتمياً إلى المذهب أو الدين موضعا الدراسة والبحث، فليس البحث العلمي الموضوعي مجالاً لتمجيد الأنا أو تأكيدها، أو تشويه الآخر المخالف وإلغائه، بل الوصول للحقيقة.
      2-وضع الحوادث التاريخيّة في إطارها الحقيقي الذي تنتمي إليه، أي أنّ الحوادث التاريخيّة ليست معزولة عن الجوانب الفكريّة التي ينتجها العلماء، والنظر بصورة شمولية لكافة نواحي المجتمع.
     3-كشف الغطاء عن الجوانب الغامضة والمهملة أثناء تحليل القضايا التاريخيّة المدروسة، كثير من المؤرخين غالباً ما يركزون على جوانب معينة من التاريخ حسب وجهة نظرهم.
2:وصف وتحليل القضية:
   اتضح لنا السبيل لتحليل وتوضيح الأحداث التاريخيّة وتفسيرها التفسير العلمي القريب مِنْ الحقيقة، وقبل أنْ نطبق ذلك عمليّاً على قضية "اتفاق دما"، نعرض تحليلين سابقين لها، الأول للإمام السالمي (ت: 1332هـ)، والثاني للشيخ أحمد بن حمد الخليلي.
(1)
      في كتابه تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان يتحدث الإمام السالمي عن "قضية خلق القرآن العمانية" في سياق حديثه عن إمامة المهنا بن جيفر(226-237هـ)، حيث يشير إلى فتنة خلق القرآن التي حدثت في البصرة مبيناً أنّ سببها رجل يهودي حاقد على الإسلام،يهدف من خلال نشر تلك المقال إلى إشاعة الفرقة والخلاف بين المسلمين، وتلقى المسلمون هذه المقالة وتناقشوا فيها، ثم انتشرت بين المسلمين في الأمصار الإسلاميّة ومن بينها عمان، يقول: 
     "وفي زمانه[زمن إمامة المهنا بن جيفر(226-237هـ)]وقع الكلام بعمان في خلق القرآن، وهي مسألة جيء بها من البصرة، فانتشر الكلام فيها، وعظمت بها البلية في عمان وغيرها، وسببها شبهة ألقاها إلى أهل الحديث في البصرة أبو شاكر الديصاني وكان ممن يقول بقدم الأشياء، فحسد المسلمين على حسن الحال الذي رآه فيهم، فأظهر الزهد والتقشف، ثم ألقى إليهم أن القرآن قديم ليس بمخلوق فقبلها قوم وأنكرها آخرون، وانتشرت في الآفاق وتكلم فيها علماء الأمصار[6]"
    ثم ينتقل إلى توضيح ما حدث في عمان بعد أنْ وصلت إليهم القضية منْ البصرة منْ خلال ما ينقله عن الفضل بن الحواري:
   "قال الفضل بن الحواري: اجتمع الأشياخ بدما في منزل منهم: أبو زياد، وسعيد بن محرز، ومحمد بن هاشم، ومحمد بن محبوب وغيرهم من الأشياخ، فتذاكروا في القرآن، فقال محمد بن محبوب: أنا أقول إن القرآن مخلوق، فغضب محمد بن هاشم، وقال: أنا أخرج من عمان ولا أقيم بها، فظن محمد بن محبوب أنه يعرض به، فقال: بل أنا أولى بالخروج من عمان لأني فيها غريب، فخرج محمد بن هاشم من البيت وهو يقول: ليتني مت قبل اليوم، ثم تفرقوا، ثم اجتمعوا بعد ذلك، ثم رجع محمد بن محبوب عن قوله، واجتمع من قولهم إن الله خالق كل شيء وما سوى الله مخلوق، وأّن القرآن كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله على محمد صلى الله عليه وسلم، وأمروا الإمام المهنا بالشد على من يقول أنّ القرآن مخلوق"[7]
    بعد أنْ ينقل السالمي كلام الفضل بن الحواري (ت: 278هـ) يقوم بعملية تحليل للنص وتفسيره، حيث يعلل سبب اتفاق العلماء على التوقف عن إطلاق القول بخلق القرآن، تعليلاً ديناً كلاميّاً، يقول:
    "وظاهره أنّ الأشياخ توفقوا عن إطلاق القول بخلق القرآن، وأمروا بالشد على من أطلق، وأدخلوه تحت معنى الآية من قوله تعالى:"خالق كل شي"، فيستلزم أنه من جملة الأشياء المخلوقة، لكن لا يصرحون بذلك نطقاً فراراً من مقالة الجهمية، القائلين بالمقالة الباطلة، المفترين على الله في صفاته، الزاعمين أن صفات الذات حادثة تعالى الله عما يقول المبطلون علواً كبيراً، فخاف الأشياخ أن تكون هذه المسألة مفرعة على اعتقاد الجهمية بحدوث الصفات الذاتية، فتوقفوا عن إطلاق القول بخلق القرآن صراحاً، مع اعتقادهم الحق في حكمه بإدخاله في جملة المخلوقات اعتقاداً، فهذا هو المعنى الذي لحظوه، ولم يكن مرادهم نفي حقيقة الخلق عن الكتب المنزلة، ولا أرادوا إثبات قديم مع الله حاشاهم عن ذلك، وإن الذي لحظوه لمعنى دقيق لا يسقط على فهمه إلا من منحه الله تعالى من مواهبه[8]"
      فهو يفسر سبب قول العلماء بهذه القول أي عدم التصريح بمقولة خلق القرآن نطقاً، هو الفرار من مقولة الجهميّة أي المعتزلة الذين يقولون أنّ القرآن مخلوق انطلاقاً من كون صفات الذات حادثة، وهذا يخالف مقولة الإباضيّة الذين يرون قدم صفات الذات، إذن يجب الفرار من هذه المقولة حتى لا يُتوهم أنّ الإباضيّة يقولون بحدوث صفات الذات.
    بعد ذلك ينتقل لتحليل موقف محمد بن محبوب (ت: 260هـ ) الذي كان مع التصريح بخلق القرآن، ثم أنّه تبين له مغزى بقية العلماء من عدم التصريح، فغير رأيه ورجع إلى رأيهم، يقول السالمي:"
   " وقد تبين لأبي عبدالله الفرق بين هذه المقالة، وهي القول بخلق القرآن، وبين مقالة الجهمية بحدوث الصفات الذاتية، فقال: القرآن مخلوق، فلما رأى ان أصحابه لا يوافقونه على هذا التصريح تركه ورجع إلى الإجمال الذي اتفقوا عليه إذ ليس في ترك التصريح بذلك محذور، لدخول القرآن تحت الإجمال، وهي العقيدة التي كان عليها السلف، وحصلت بها السلامة العامة، وإنما المحذور كل المحذور في إنكار صفة الخلق عن القرآن، وإعطائه صفة القديم تعالى، فتفطن لهذا المقام، فإنه مزلة الأقدام، ومضلة الأفهام[9]" .
(2)
        في كتابه الحق الدامغ يناقش الشيخ الخليلي في المبحث الثاني قضية خلق القرآن، ويتعرض للقضية في إطارها العام:
"..وقد أشعل نار هذه الفتنة بعض الدخلاء في الأمة الذين تقمصوا الإسلام لحاجات في نفوسهم أرادوا قضاءها، أهمها إذكاء نار الفتنة بين طوائف الأمة، وتقسيمها إلى شيع وأحزاب "كل حزب بما لديهم فرحون"، ولعل على رأس هؤلاء أبا شاكر الديصاني الذي قيل عنه أنه يهودي تظاهر بالإسلام[10]ثم ينتقل للحديث عن الفتنة في محيطها العماني، فيقول:
"..وهذا الذي اتفقت عليه كلمة علماء المسلمين بعمان في عهد الإمام المهنا بن جيفر، بعدما غشيتهم موجة من الخلاف في هذه القضية بعد أن طمى عبابه وهاجت عواصفه بمدينة البصرة الحافلة بمختلف التيارات الفكرية آنذاك وكانت للعمانيين صلة وثيقة بها بحكم العلاقات الثقافية والاقتصادية التي تربطهم بها[11]"
      ويذكر رأي الإباضيّة العمانيين، مشيراً إلى "إتفاق دما":
"وأما أهل المشرق فقد حاول إمامهم الأكبر محمد بن محبوب رحمه الله أن يعلن ما أعلنه إخوانه أئمة وأعلام الجناح الغربي غير أن محمد بن هاشم اشتدت معارضته فانثنى عنه، واتفقت كلمتهم على الاكتفاء بما كان عليه سلف الأمة(...) على أنّ الله خالق كل شي، وأنّ ما سواه مخلوق، وأن القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله[12]ويعلل هذا الموقف من علماء الإباضيّة، بقوله:
"ولا أراهم وقفوا هذا الموقف الصامت إلا سداً للذريعة، وتجنباً لمشايعة الظالمين، فإنّهم رحمهم الله من أرسخ مبادئهم وأبرز سماتهم مناهضة الظلم ومصارعة الظالمين[13]"، فهو يرى أنّ سبب "إتفاق دما" سد الذريعة التي تُوصل إلى مشايعة الظلم والظالمين.
     ويعلق في هامش رقم 1 صفحة 107 على رأي الإمام السالمي في سبب "إتفاق دما"،حيث يشير إلى عدم تنافيه مع رأيه في هذه المسألة، ولا يستبعد-أي الشيخ الخليلي- أنْ يكون السبب للاعتبارين معاً، أي الفرار من مقولة الجهميّة، ورفض الظلم.
3:قول في القضية:
(1)
      كما اتضح فإنّ الإمام نورالدين السالمي يفسر سبب "إتفاق دما" هو الفرار من مقولة الجهميّة أي المعتزلة، والشيخ الخليلي يرى أنّ السبب هو تجنب الظلم ومشايعة الظالمين، أما الفرار من مقولة الجهميّة أي المعتزلة الذين يقولون أنّ القرآن مخلوق انطلاقاً من كون صفات الذات حادثة، والإباضيّة وإنْ كانوا يقولوا بخلق القرآن لكنهم لا يقولوا بذلك إنطلاقاً من حدوث صفات الذات، فعندهم صفات الذات قديمة، فهل هذا سبب كاف لإصدار "إتفاق دما"، وتخلي الإباضية عن إعلان خلق القرآن والتصريح به عند العامة والخاصة، ولماذا هذه القضية بالذات التي يفر منها الإباضيّة من مقالات الجهميّة أي المعتزلة، ألا يوجد قضايا يتفق فيها الإباضيّة مع المعتزلة يمكن أنْ توهم باعتقاد الإباضيّة بأمور ومقالات لا يتفقون فيها مع المعتزلة، ولا نذهب بعيداً عن مسألة الصفات، إنّ "مسألة الصفات هل هي عين الذات أو زائدة عنها"-وهي مرتبطة أيضاً بقضية الصفات- من القضايا التي يتفق فيها الفريقان، لماذا يصرح بها الإباضيّة، ولا "يفروا" من التصريح بها من مقالة الجهميّة، ألن يؤدي هذا إلى التوهم بإنّ الإباضيّة يقولون بحدوث صفات الذات؟
      إنّ إعلان توقفهم هذا عينه أدى إلى قول بعض علماء الإباضيّة بقدم القرآن-كما ذكرنا سابقاً، وهو يؤدي إلى القول بوجود قديم مع الله عزوجل، كما يُلزم القائلون بهذا مخالفيهم.
     أما تحليل سماحته فهو تحليل يرتكز على رؤية دينيّة للأحداث في تحليلها وتفسيرها،وهو هنا ينطلق من ثنائية العدل/ الظلم، ومثاليّة أتباع المذهب الأباضي، وهو وإنْ كان فيه جانب من الحقيقة التاريخيّة، إلا أنّه لا يفسر لنا السبب الحقيقي ل"إتفاق دما"، فليست هذه الحادثة الوحيدة التي ارتكب فيها الظلم، وهل الرد على الظلم يأتي-فقط- من خلال التخلي عن التصريح  بإحدى مقولات المذهب الأساسيّة؟
        إذن يوجد سبب أقوى لهذا الاتفاق بين العلماء، وقبل أنْ نعلن هذا السبب، نناقش ثلاث نقاط على قدر من الأهميّة، تساعدنا على وضع الأمور في نصابها التاريخي المنطقي، وهي: دور العلماء العمانيين في الحياة السياسيّة، وتحرج الإباضيّة من مناقشة القضايا الخلافيّة الشائكة كقضية القدر، وأخيراً نورد نص من كتاب الإمام السالمي التحفة.
(2)
       من المعلوم في تاريخ الإسلام أنّه كان للعلماء  أدوار هامة ومؤثرة في الحياة وسير أحداثها بصفة عامة، وفي السياسة بصفة خاصة، يصدق هذا وبصورة أقوى على ما كان في التاريخ العماني، حيث كان لهم دور كبير وخطير، فهذا الدور لم يقف عند الدور العلمي المجرد، بل امتد إلى الواقع أي السياسة.
    وهو يرجع-في شيء منه- إلى النظرية السياسيّة الإباضيّة، ووجود الإمامة الإباضيّة فعلياً التي تأسست على يد علماء المذهب أهل الحل والعقد، فهم-فقط- الذين يختاروا الإمام أي رئيس الدولة، وهم الذين يعقدون له البيعة، وهم أيضاً الذين يعزلوه من منصبه، وكل ذلك في إطار إقامة شرع الله عزوجل، إذن فدورهم كان خطيراً جداً في الحياة السياسيّة.
    فإذا كانوا هم من يصنع الإمامة أي الدولة، فبالطبع والضرورة هم أيضاً من يحافظ عليها ، من أي خطر يهدد بقائها واستمرارها، وعليهم لإجل ذلك أنْ يتخذوا كل ما مِنْ شأنه تحقيقه، فهاهم وفي مناسبات كثيرة يقدموا النصح والمشورة للإمام فيما من شأن مساعدته على القيام بأعباء الإمامة.
    هذا الدور لم يبقى في إطار النظرية بل تمثل من خلال وقائع عديدة كإختيار الأئمة كما هو معروف، وعزل بعضهم عندما لا يتمكنوا من القيام بواجبهم تجاه المحافظة على الإمامة "وسلطان المسلمين"، وللتأكيد على دورهم فإنّا نذكر ماقام به العلماء عام 179هـ من عزل محمد بن أبي عفان حين لم يرضوا سيرته.
(3)
     من بين الاستراتيجيات التي استخدمها جماعة الإباضيّة كتنظيم في فترة الكتمان، أو حتى دولة في طور الظهور -للحفاظ على الوحدة- عدم نقاش القضايا التي يمكن أنْ تؤثر على وحدة الجماعة تنظيماً أو دولة، وهذا التكتيك يبزر منذ بدايات الحركة في البصرة فقد كانوا يتحرجون من الخوض في القضايا الشائكة التي يمكن أنْ تجلب الخلاف الفكري بين أعضاء الجماعة، والذي هو غطاء للخلاف السياسي، وأبرز قضية هي قضية القدر الشائكة والمعقدة والتي تجلب الخلاف بطبيعتها، ورد هذا النص  في بيان الشرع فهو نص يدل دلالة قوية على ما نقول: 
   "البلية بأمر القدر شديدة، لإنه سريع بخروج المرء من دين الإسلام، لإن مذهب المعتزلة أجمع ضلوا بكلمة في القدر، والعزير غضب عليه ربه على سؤال عن كلمة القدر، وكم من مذهب أهله في ضلال بسبب القدر فالقدر بحر عميق قد هلك فيه بشر كثير"[14]
    كذلك ما أورده السالمي عن جابر بن النعمان:"اختلف المسلمون في صحار في الذي يعمل الحسنات والسيئات...، فخرجنا من صحار إلى سمائل فسألت هاشم بن غيلان عن ذلك فقال: كفوا عن هذا، فقد وقع بصحار وكتبوا إلينا فلم نجبهم، وعند هذا ومثله تقع الفرقة[15]"
       يتضح من خلال المثالين تحرج الإباضيّة من الخوض في النقاشات الفكريّة التي يمكن أنْ تشق وحدة الجماعة، فمناقشة قضية مثل قضية القدر سريعة بخروج المرء من دين الإسلام أي المذهب، وقضية الحسنات والسيئات لا تستحق النقاش والإجابة عليها لإنّها مما يقع منه الفرقة والإختلاف، الفُرقة هنا ليست-فقط- فُرقة كلاميّة عقديّة أي إختلاف في الرأي الكلامي، بل فُرقة وإختلاف على المستوى السياسي، بمعنى آخر، فالكلام ليس كلاماً-فقط- أي أنّه ذو مضمون ديني عقدي بعيد عن الواقع، بل مرتبط أوثق ارتباط بالواقع أي بالسياسة.
(4)
      ينقل الإمام السالمي نصاً على قدر كبير من الأهميّة التاريخيّة، لأنّه-كما نظن- يساهم في تفسير "اتفاق دما" تفسيراً علميّاً،يقول السالمي رحمه الله:"وفي زمانه[الإمام عبدالملك بن حميد(207أو208-226هـ)] أظهر قوم من القدريّة والمرجئة دينهم بصحار، ودعوا الناس إليهم وكثر المستجيبون لهم، حتى صاروا بتوام وغيرها من عمان فخاف هاشم بن غيلان رحمه الله تعالى على المسلمين من ذلك، فكتب إلى الإمام:
وأنّه بلغنا أنّ قوماً من القدرية والمرجئة بصحار، قد أظهروا دينهم، ودعوا الناس إليه، وقد كثر المستجيبون لهم، ثم قد صاروا بتوام وغيرها من عمان، وقد يحق عليك أنْ تنكر ذلك عليهم فإنّا نخاف أنْ يعلو أمرهم في سلطان المسلمين، فأمر يزيد أو اكتب إليه لا يترك أهل البدع على إظهار دعوتهم، حتى يطفأ الضلال والبدع، واكتب إليه رحمك الله أن يظهر الإنكار عليهم، ويرسل إلى كل من بلغه شيء من ذلك، فيعرض عليهم الإسلام، ويصف لهم الدين، وإثبات القدر، وتكفير أهل الإصرار، فإن قبلوا ذلك وإلا فاحبس وعاقب[16]".
     يظهر هذا النص وجود حركة  تمرد ضد دولة الإمامة الإباضيّة، يقوم بها قوم من القدريّة والمرجئة،وهذا الحركة بدأت في صحار وامتدت إلى توام(البريمي حالياً) وغيرها من مناطق دولة الإمامة، فأصبحت تهددها، من خلال كثرة المستجيبين، وتوسعها في بقية أنحاء عمان،وخوفاً من أنْ يعلو أمرهم في "سلطان المسلمين"= دولة الإمامة، يوجه الشيخ هاشمُ الإمامَ-إنطلاقاً من دوره كشيخ من شيوخ المذهب- إلى إتخاذ الإجراءات والتدابير التي من شأنها أنْ توقف هذه الحركة،حتى ينطفأ الضلال والبدع، حيث يتوجب عليه-حتى لا يترك أهل البدع على إظهار دعوتهم-:"أنْ يظهر الإنكار عليهم"، أي على جميع بدعهم، ومنها البدعة الأخطر في تلك الفترة التاريخيّة على خصوم المعتزلة، وهي القول بخلق القرآن.  
 (5)
       نستطيع الآن بعد عرض المعطيات السابقة، أنْ نحدد ما نراه سبباً حقيقياً يقف وراء "إتفاق دما"، إنّه الخوف على دولة الإمامة من أنْ تكتسحها حركة التمرد القدريّة/المرجئيّة.
      فالتصريح بمقولة خلق القرآن يعني توفير شعار جاهز للحركة القدريّة/المرجئيّة لكسب مزيد من المستجيبين،كما كانت شعاراً للمأمون ولمن جاء بعده من الخلفاء العباسيين ، ووفرت لهم حماية سياسية باعتبار المعارضين لهم يتبنون المقولة المضادة، وبالتالي الشعار المعاكس وهو القول بقدم القرآن.   
       إنّ دور العلماء ليس فقط اختيار مقولة كلاميّة بدل أخرى، أو تغيير معتقد مكان أخر هكذا اعتباطاً، بل كان دورهم أخطر، إنّ الوضع يحتم عليهم إتخاذ السبل الكفيلة  للمحافظة عليها، فاتساع نفوذ القدرية والمرجئة في مناطق نفوذ "سلطان المسلمين" أي دولة الإمامة الإباضيّة، وكثرة المستجيبين لهم، كل ذلك يهدد دولة الإمامة، مما جعل واحد من الأشياخ وهو هاشم بن غيلان يمارس دوره السياسي كعالم لا يقف عند حدود العلم المجرد بل ينغمس في الواقع السياسي.
       وفي ظل هذه الأوضاع سيقوم العلماء بدورهم الذي يتوجب عليهم، وهو رسم السياسة المناسبة لدولة الإمامة لمواجهة التمرد القدري/المرجئي، وتجلت في إجراءات عمليّة،هي: وضع شعار مضاد لشعار القدريّة والمرجئة، وشعار القدريّة في ذلك الوقت القول بخلق القرآن، وهذا من خلال إعلان عدم التصريح بمقولة الخلق ،وأما من يخالف ذلك فقد "أمروا (أي العلماء)بالشد على من أطلق[17]"، أي كل من يصرح بمقولة خلق القرآن، هل يخيف إعلان مقولة الخلق- وهي رأي المذهب الرسمي- دولة بأكملها، لا، إذن هو إجراء سياسي.
      القول الصريح بخلق القرآن والذي ينتشر على مستوى العامة، يشكل تهديداً لأمن الدولة ووحدتها، فلا يعرف من المنتمي إليها من عدوها لتشابه الشعارات المرفوعة، إنّه إجراء وقائي يُعرف من خلاله الموالي للإمامة مِنْ المستجيب لدعوة القدريّة والمرجئة، فالاختلاف فيها يعني الاختلاف في الموقف السياسي، إنّه يعني الإنتماء لهذا الطرف أو ذاك.
       ولقائل أنْ يقول إنّ تمرد القدريّة والمرجئة كان في فترة الإمام عبدالملك(207أو208-226هـ) بينما كان اجتماع الأشياخ في فترة إمامة المهنا بن جيفر(226-237هـ)، فأين العلاقة بين الأمرين، فنقول: إنّ سيرة ابن غيلان تُظهر توسع نفوذ حركة التمرد وعدم توقفها، وقد خلف الإمام المهنا الإمام عبدالملك مباشرة، لذلك لاشيء يمنعنا من تصور، استمرار تمرد القدريّة والمرجئة، خلال الفترة الممتدة من 207-237هـ، وبالتالي استمرار التهديد لدولة الإمامة الإباضيّة.  
       إن ما اعتبره الإمام السالمي من خلال قوله:" وإن الذي لحظوه لمعنى دقيق"، ليس فقط على المستوى الاعتقادي أو الكلامي بل الأهم هو ما لحضوه على المستوى السياسي، وهذا المعنى الدقيق" لا يسقط على فهمه إلا من منحه الله تعالى من مواهبه"، نعم، ولكن بلغة السياسة من كان على مستواهم في المسؤولية عن الدولة، فلا بد أنْ يفكر ويدبر للدولة ما يحفظ كيانها ووحدتها، وما تبين لأبي عبدالله محمد بن محبوب، وجعله عَدَل عن موقفه-إي إعلان القول بالخلق- ليس هو خطورة التصريح بهذه المقالة مقالة خلق القرآن كرأي كلامي، بل ما يشكله التصريح بها من خطورة على مستقبل دولة الإمامة الإباضيّة.
      إنّ "إتفاق دما" بعدم التصريح بمقولة خلق القرآن، بين الأشياخ كان قراراً سياسياً لوقف تمدد الحركة القدريّة المرجئيّة، وحفظ إستقرار دولة الإمامة الإباضيّة العمانيّة وبقاءها.


[1] -عبدالله بن حميد السالمي، تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان،153-155.
[2] -أحمد بن حمد الخليلي، الحق الدامغ،105.
[3] -محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية،97.
[4] -فهمي جدعان،المحنة،105.
[5] -محمد عابد الجابري، المرجع السابق، 85-86.
[6] -عبدالله بن حميد السالمي، المرجع السابق،1/153-154.
[7] -المرجع السابق، 1/154.
[8] -المرجع السابق،1/155.
[9] -المرجع السابق،1/ 155.
[10] -أحمد بن حمد الخليلي، المرجع السابق،105-106.
[11] -المرجع السابق، 106.
[12] -المرجع السابق، 107.
[13] -المرجع السابق، 107.
[14] -محمد بن إبراهيم الكندي، بيان الشرع، 2/84.
[15] -السالمي، المرجع السابق،1/135.
[16] -السالمي، المرجع السابق،1/136-138.
[17] -السالمي،المرجع السابق،1/155.


الولاية والبراءة والوقوف ...غطاء ديني ومضمون سياسي




إهداء إلى محمد أركون:"لن تموت، ستكون أكثر اخضراراً"!
(4/1)
      شكلت مفاهيم "الولاية والبراءة والوقوف" أهمية كبرى في تاريخ المذهب الإباضي والدولة الإمامية الدينية في عمان، فهي من الأسس العقائدية المهمة في العقيدة الإسلاميّة؛ حيث"الأمة مجمعة على وجوب البراءة من أعداء الله جملة،...،إنها نوع من علم الاعتقاد[1]"، بل إنّ علم الولاية والبراءة علم قائم بذاته، وله مصنفات خاصة "واعلم أن علماءنا- رحمهم الله- تعالى قد جعلوا علم الولاية والبراءة علماً قائماً بنفسه، وأفردوا فيه مصنفات عديدة[2]".
    ومما يؤكد أهمية الموضوع في إطار المذهب الإباضي ما يقوله عدون جهلان- أحد علماء المذهب المعاصرين-:"ولعل الولاية والبراءة من الأصول التي درسها الإباضية بعمق، وانفردت عما سواها من الفرق بالقول بولاية الشخص وبراءة الشخص بحكم الظاهر، ولذلك نجد دراسات مستفيضة لفقهاء الإباضيّة وعلمائها حول هذه المسألة، ففصّلوا القول في شروط الولاية والبراءة ووجوبها وبينوا بشكل دقيق الجهات التي تتم بها كل من الولاية والبراءة الشخصية،كما حددوا بدقة من تجب فيه الولاية والبراءة سواء في الجملة أو في الشخص، وتجدر الإشارة إلى أنََّ اهتمام الإباضية بهذا الجانب لم ينحصر في نطاق الاجتهاد الفقهي والنظر العقلي فحسب، وإنما تعداه إلى الميدان العملي والتطبيق الفعلي فتجسدت هذه الآراء والأحكام في واقع الحياة اليوميّة داخل المجتمعات الإباضيّة[3]".     
        ومن صور هذا التطبيق لمفهومات الولاية والبراءة والوقوف، ما قام به الفقهاء العمانيون بعد حادثة عزل الإمام الصلت بن مالك عام 272هـ، من تطبيق واسع جداً لها، كان من ثمرته كثير من الأعمال والمؤلفات،فالسير العمانيّة- التي تعتبر من أهم مصادر الفكر والتاريخ العماني-[4]، كان "أشهر قضية تم مناقشتها في أغلب تلك السير قضية عزل الإمام الصلت[5]"، بل وأفرد للموضوع كتب كاملة ككتاب الاستقامة لأبي سعيد الكدمي(حي في 272هـ)، وكتاب التخصيص لأبي بكر أخمد الكندي(558هـ)، وكذلك ناقشتها باستفاضة الموسوعات الشرعيّة كالضياء وبيان الشرع و المصنف وقاموس الشريعة وغيرها.
    هل كل هذا الإهتمام بهذه المفاهيم الكلامية الثلاثة-على المستويين النظري والتطبيقي-راجع لأهميتها الدينية والروحية والعقدية؟
     وهل هو تعبير عن امتثال نموذجي للأوامر الإلهية المقدسة والمتعالية؟
      ومع التسليم بكونها جزءاً مهماً وأساسياً من عقيدة المسلم الإباضي، لا اعتقد أنّ أحداً سيقول أنّها أهم من أركان الإيمان الستة وبالذات أولها وأساسها وهو الإيمان بالله عزوجل، فلماذا لم نرى في التاريخ العماني اهتماماً مماثلاً  بهذه الأركان، وبالركن الأول الأساسي الإيمان بالله؟
جينالوجيا في حدود التساؤلات:
   نحاول في هذا المقال الإجابة على هذه الإشكاليّة، ولكن قبل ذلك نرصد التطور التاريخي الذي مرت به هذه المفاهيم،  وذلك من خلال مراحل ثلاث هي:
     - المرحلة الأولى القرآن الكريم والسنة النبوية:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) سورة المائدة
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) سورة المائدة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) سورة المائدة
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) سورة الأنفال
بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) سورة براءة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ (1) سورة الممتحنة
 قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ (4) سورة الممتحنة
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) سور الأنفال
     يستخلص من منطوق هذه الآيات ومفهومها أنّ الولاية لله ولرسوله وللمؤمنين؛ أي للموافقين في الدين، والبراءة من المشركين والكفار واليهود والنصارى؛ أي المخالفين في الدين، ويؤيد ذلك ما يؤرده الإمام السالمي عن كيفية تطبيق النبي عليه السلام، وهي التطبيق العملي لهذه الآيات، يقول:" بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والناس في جاهلية عمياء, فلم يكن يدعوهم إلا إلى الشهادتين, ثم يعلمهم شرائع الإسلام, وكانوا قبل ظهوره يتولون آباءهم وطواغيتهم فلم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يلزمهم أن يبرؤوا منهم واحداً واحداً, وإنما يكتفي منهم بقبول الإسلام والدخول في شرائطه ويتضمن ذلك البراءة من أضداده, وقد اكتفى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم من المشركين بقبول الإسلام[6]".
     ويفهم-أيضاً- أنه لا طريق ثالث أي الوقوف، فأما الإيمان بالله والدخول في الإسلام، فيستحق الإنسان به الولاية، وإما الكفر والإشراك والانتماء لدين آخر، فيستحق الإنسان به البراءة.
(4/2)
-المرحلة الثانية أحداث عثمان:
    حملت "أحداث" عثمان الخليفة الثالث( 35هـ) الثوار- ومنهم جذور"جماعة المسلمين = الإباضية" -على استتابته ثم خلعه سياسياً، ثم قتله، وملخص هذه الأحداث من"مختصرٌ منْ كتاب فيه صفةُ أحداث عثمان بن عفان":
       "وكان أول ما نقم المسلمون على عثمان بن عفان أنّهم كلموه في إنفاذ وصية عمر بن الخطاب رحمه الله في ابنه عبيدالله بن عمر،..، جعل عثمان يعتل للناس ويؤخر أمره،..،  ثم ترقب به البلى، في عبيد الله وغيره إلى أن زعم أنه قد عفا عنه، فقال المسلمون إنه ليس لك أن تعفو عنه"
   -"لما أستخلف أبوبكر صعد المنبر، فقام دون نبي الله برتبة، واستخلف عمر ، فقام دون مقام أبي بكر برتبة، فلما استخلف عثمان، صعد المنبر حتى قعد مقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم."
-"ثم ما كان من حدثه أنه أدخل الحكم بن العاص طريد رسول الله عليه السلام ولعينه المدينة"
-"حمى مواطن القطر من أرض البادية وأرعى فيه أهله وخاصته ومنعه الناس "
    -وعمد عثمان إلى عمال عمر بن الخطاب فعزلهم عن أعمالهم إلى غير علة، فعزل الفقهاء والسابقين الأولين، واستعمل السفهاء من أهل بيته وذوي قرابته"
    -"وحرق عثمان المصاحف، وحرم قراءة ابن مسعود، وقراءة أبي بن كعب، وأمر الناس أن يقرأوا على حرف واحد، أمر من خالف ذلك الحرف أن يمثل به"
   - "ثم إن الوليد بن عقبة أحدث بالكوفة أحداثاً عظيمة...."
    - "دخل عبدالله بن مسعود فأمر به عثمان خلاسياً له أسود، فقال: خذه فأخذه فأخرجه من المسجد،...، فأتى به باب المسجد فاستقبل الجدار بعجزه ، فجعل به ضرباً بالجدار، لا يألوا أن يكسر عصعصه، أو يفلق أنثييه، حتى دق أضلاعه"[7]
       ويبدو على هذه الأعمال الطابعين الديني والسياسي بدرجات متفاوتة، فتمسك عثمان بالخلافة على الرغم من "أحداثه" التي استحق بها البراءة وفق تقييم الثوار =حزب الخوارج، عمل سياسي دنيوي، خرج من الطابع التديني  بسبب الأحداث، التي وفقها غير جدير بالخلافة، لكنها أيضاً لا يمكن أنْ تخرج عثمان من الإسلام، وتضعه في الجانب الآخر أي الكفر أو الشرك أو النتصر أو التهود؛ أي الانتماء لدين مخالف ومعادي لدين الإسلام.
    "وكثر الكلام في أمر عثمان، وأظهروا عيوبه، ونادوا بها في وجهه وأخبروه أنهم غير مقاروه عليها"
       "قال عثمان ما أراني إذا في شيء إن كنت أستعمل من هويتهم وأعزل من كرهتم الأمر إذا أمركم قالوا والله لتفعلن أو لتعزلن أو لتقتلن فانظر لنفسك أو دع فأبى عليهم وقال لم أكن لأخلع سربالا سربلنيه الله"
      "ثم إن أصحاب النبي رأوا أمراً، وقالوا ما يسعنا الكف عن هذا الرجل، فأجمعوا أمرهم على إستتابته أو خلعه، فاجتمعوا في منزل الزبير بن العوام، فقام عبدالرحمن بن عوف فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرأبا بكر وعمر وعدلهما وسيرتهما، ثم ذكر عثمانَ وأحداثه وجوره، ثم قال أيها الناس أنا أول خالع إذ كنت أول مبايع، أشهد أني قد خلعته خلع نعلي هذه، ثم خلع نعله من رجله فرفعها بيده، ثم قام الزبير بن العوام فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر عثمان فشتمه وأعابه، ووصف أحداثه، ثم قال لعلي: يا أبا الحسن، ما يمنعك أن تقوم فتتكلم؟ قال علي: ما قلتما إلا حقاً، ولو قمت لم أقل إلا مثل قولكما، ثم أجمع القوم أن يكتبوا إليه كتاباً وصفوا فيه أحداثه، ثم استتابوه[8]"
    صدر من  كبار الصحابة الزبير وابن عوف وعلي كتاباً فيه وصف أحداثه واستتابته وخلعه من منصبه.
     " فلما مضت أيام التشريق أطاف المسلمون بدار عثمان، وأبى إلا الإقامة على أمره، وأرسل إلى حشمه وخاصته،فجمعهم، وألبسهم السلاح، واستعد للقتال،..، وبقي مع عثمان ناس من أهله، فقتلوا معه، وقتل عثمان، وأمسك المسلمون عن أصحابه حين قتل[9]"، فالأمر تطور من خلع سياسي عن الخلافة إلى خلع عن الدين، ومن ثم الحكم عليه بالقتل، بعد كتابة الكتاب إليه الذي فيه أحداثه، واستتابته ورفضه لمطالبهم. 
      وفي تحليله الرائع لرسالة ابن إباض لعبدالملك بن مروان، موضحاً الأسباب التي دعت الثوار للخروج على عثمان، يقول عبدالملك الهنائي:"مما تقدم يتضح أنّ الخروج أو ما يسمى في الوقت الحاضر بالثورة على عثمان لم تكن ثورة دينية بحتة، فبالرغم من أن أول شيء ذكره ابن أباض مما ينقم على عثمان هو أنه منع مساجد الله أن يقص فيها كتاب الله، فإن ما أوردته الرسالة لاحقاً يدور كله حول الحمى وتوزيع الصدقات والاكتناز ووضع قيود على التجارة لذلك فهي بكل المقاييس ثورة القبائل العربية ضد هيمنة قريش واستئثارها بالسلطة والمال، كما أنها ثورة المقاتلة ضد السياسة المالية التي اتبعها عثمان، وهي ثورة الأمصار ضد الحجاز والمدينة[10]"، فهو يرى أنّ السبب الحقيقي هو سياسات عثمان الاقتصادية واستئثار قريش بالسلطة، وتمرد العسكر، والتجاذب بين المركز والأطراف، وليس سبباً دينياً صرفاً.
      ويبرر أبو قحطان خالد بن قحطان(ق3هـ) في سيرته قتل عثمان بقوله:"فلما امتنع من التوبة وأصر على المعصية، وظهر كفره في الدار والدعوة،..، قتلوه خليعاً من الإيمان خارجاً بحكم القرآن، لأن المسلمين إنما قتلوه بحكم كتاب الله[11]"، إذن قُتل عثمان بعد أنْ خُلع من منصب الخلافة، وحتى يتم إضفاء المشروعيّة الدينيّة على قتله، تم خلعه من الدين، هنا اتسع تطبيق مفهومي(الولاية والبراءة)، ليشمل تطبيقهما على مستوى الدين ذاته، وبين أتباعه، وعلى أساس الاختلاف الحزبي السياسي
(4/3)
المرحلة الثالثة- حادثة عزل/اعتزال الإمام الصلت بن مالك عام 272هـ
        بويع الصلت بن مالك الخروصي وهو من اليحمد بالإمامة عام سبع وثلاثين ومائتين للهجرة, وقام له بالبيعة بشير بن المنذر ومحمد بن محبوب، قال أبو قحطان : أجمعوا على إمامة الصلت وولايته وولاية من قدمه من المسلمين، وأجمعوا على نصرته وتحريم غيبته والامتناع من طاعته، فسار الصلت بن مالك بالحق في عمان ما شاء الله حتى فني أشياخ المسلمين جملة الذين بايعوه، لا نعلم أن أحداً منهم فارقه وعمر الصلت في إمامته ما لم يعمر إمام من أئمة المسلمين(أي الإباضية في عمان) فيما علمنا حتى كبر.
      وفي عام 272هـ تم عزل/اعتزال الإمام الصلت، وقد اختلف الناس في ذلك اختلافا كثيراً, فمن عذر موسى وراشداً في خروجهما-أي الإنقلاب على الصلت بالتعبير المعاصر- ذكر أسباباً تسوغ لهما صنيعهما, ومن خطأهما على ذلك ذكر أسباباً منكرة وأحوالاً غير جميلة, وكثرت في ذلك الدعاوى.
      ثم ظهرت أناس بعد ما مضى ما شاء الله من الزمان، وبعد انقراض تلك العصور فغلوا في أمر موسى وراشد, وأوجبوا البراءة منهما على الناس، ورأس هذه الفرقة وعميدها الذي اشتهر فيها أبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة، ومن أخذ عنه من أهل عمان منهم أبو الحسن علي بن محمد البسياني، وتبعهم على ذلك خلق وسميت فرقتهم الرستاقية.
      وممن اشتهر في الرد عليهم أبوعبدالله محمد بن روح بن عربي وأبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي, وفي الرد عليهم ألف كتاب الاستقامة بأسره, وتبعهم على ذلك وسميت فرقتهم النزوانية[12].
   وفيما يلي نبين "دعاوى" الفريقين في القضية:
1-المعسكر الرستاقي
      وملخصها أن الصلت إمام شرعي بإجماع أهل المملكة، أما عزله  فغير شرعي، فموسى طالب دنيا، وليس للإمام الصلت مكفرة حتى يستحق العزل، وهو-أي موسى- يسعى لهدم الدولة=الإمامة، لذلك استحق بسبب ما قام به البراءة، وكذلك فإن على عامة المسلمين السؤال عن الحدث الواقع بعمان؛ لإنه يجب عليه أن يتولى ويبرأ من كل شخص بعينه، حيث لامحالة أن يكون مستحقاً لأحدهما، أي الولاية أو البراءة، لا وقوف مع شهرة الحدث الموجب والأشخاص المستحقين.
    ونستدل على وجهة نظرهم من خلال سيرة أبي قحطان خالد بن قحطان، ومن كتاب الموازنة لابن بركة، ومن سيرة السؤال للبسياني، والأسباب التي دعتهم للبراءة من راشد وموسى ومن تبعهم، ومن دعوة العامة للبراءة منهم وتشددهم في ذلك، حيث أوجب البسياني الولاية والبراءة لكل بعينه ومنه بما يستحق.
      -من سيرة تنسب إلى أبي قحطان خالد بن قحطان(ق: 3هـ):
     يقول:" سار الصلت بالحق في عمان ما شاء الله حتى فني أشياخ المسلمين جملة الذين بايعوه لا نعلم أن أحداً فارقه، فلما ذهب أعلام المسلمين وفقهائهم وأهل الورع ومن يطلب الآخرة وبلغ الكتاب أجله, وأراد الله أن يختبر أهل عمان كما اختبر من قبلهم ليعلم المطيع من العاصي وقد علمهم من قبل أن يخلقهم وابتلى الله أهل عمان برئيس وعلماء من علمائهم كما ابتلى غيرهم؛ فلما اختبرهم قل بصرهم وزالت عقولهم عن الحق وخالفوا سيرة المسلمين إلا قليلا أنقذهم الله.
      فخرج موسى بن موسى من أهل بيت علم وورع، ووالده موسى بن علي رحمه الله كان في عصره مقدماً على أهل عمان،..،فقام موسى بن موسى في أهل عمان يتكلم بلسان فصيح ويهتف في مجلسه ويصيح ومرة يطعن في الإمام والقاضي, ومرة يطعن في الولاة والشراة, ومرة يطعن في أصحابه ولا يسم للإمام بمكفرة, ولا يبن ما يدعوا إليه إلا أنه ناصح للدولة وأهلها ويصل إلى الإمام، ويتكلم بما لو كان غير الصلت بن مالك لحبسه في السجن أو يوضح على ما يقول برهاناً أو يسمك لسانه عن شتم أهل الدولة, ولكن الصلت كان رفيقاً وكان يجله لموضع والده, ولم يكن يؤمل فيه هدم الدولة لأنه كان يظهر أنه ناصح للدولة ولأهلها, وهو يسعى في فسادها وهدمها للذي سبق في علم الله.
      فلم تزل الأيام ترقي به ومجالسه تغلظ وهو يثب على الدولة ويسعى في هدم عزها، ويظهر إنه يريد إعزازها, حتى انتهت به الأيام أن جمع الأعراب والطغام من الناس ومن يسرع إلى الفتنة.
     فتبعهم الناس على منازل مختلفة، ومن بين رجل قد أغضبه أحكام المسلمين, وأوغرته فهو يطلب عثرتهم, وآخر قد حسد من له في الدولة درجة رفيعة يطمع أن ينال مثلها, وآخر يتعبد بغير بصر فيظن أنه محق وأنه يطلب حقاً ولا يدري أنه قد افتتن، فجمع موسى بن موسى الناس وسار بهم إلى فرق فوقعت الفتنة في أهل عمان[13]
     -ابن بركة عبدالله بن محمد(ق 4 الهجري)
    يقول:"وأما الصلت فكان إماماً شارياً يعترف له أهل مملكته في عصره ذلك، وشهد له من غاب عنه بذلك، وذلك أن الصلت اتفق أهل المملكة عالمهم وجاهلهم أن عقده كان ثبوت إمامته بإجماع[14]"
   -سيرة الحجة على من أبطل السؤال في الحدث الواقع بعمان لأبي الحسن البسياني(حي في:363هـ):
    يقول البسياني:"...فعلينا معرفة الحق بالدليل المستنبط من الكتاب والسنة والإجماع، فإذا عرفناهم[أي أهل الحق] وكنا معهم توليناهم وأخذنا عنهم وقلنا قولهم، وخطأنا من خالفهم، ولا يصل إلى علم ذلك إلا بالسؤال والطلب والاستنباط بمعرفة أهل الحق دون غيرهم.
      وقد وجدنا الأمة قد افترقت، فإذا كان ذلك كذلك فعلينا طلب الفرقة المحقة من جملة المختلفين، ولا يصل إلى ذلك دون البحث والسؤال،..، والأمر بالمعروف وولاية أهله عليه ، والنهي عن المنكر وتركه والبراءة من أهله عليه، ولا يبلغ من بلغ من عوام المسلمين ممن لا معرفة لهم إلى علم ذلك والقيام به إلا بطلبه والسؤال عنه .
    وقد قال المسلمون: إن الشاك هالك، والسائل معذور"[15]
2-المعسكر النزواني:
     وملخص دعاوى النزوانية، أن موسى بدافع من حرصه على الدولة، وبكونه شيخ المسلمين، قام بتولية راشد بعد أن رأى ضعف الصلت وعجزه عن القيام بواجبات الإمامة،واعتزاله بنفسه، كذلك فإن الولاية والبراءة لمن يستحقهما واجبان فقط بالجملة، والمؤمن غير مكلف أن يتبرأ أو أن يوالي أحداً بعينه، وينتقد من قال بإيجاب السؤال في الحدث الواقع بعمان، ونستدل على وجهة النظر هذه من خلال تحفة الأعيان، ومن كتاب الإستقامة للكدمي:
-من التحفة:
        "قال الأزهر بن محمد بن جعفر : إن الصلت بن مالك صار إلى حد الضعف والزمانة والعجز عن القيام بالإمامة , وخاف المسلمون ذهاب دولتهم وزال نعمتهم , وكان موسى بن موسى في وقته هو شيخ المسلمين وإمام أهل الدين, فاجتمع إليه أخلاؤه وساروا لينظروا المسلمون فيما فيه عز الدين.
       وينقل الإمام السالمي عن محمد بن جعفر:" أما بعد[فقد] رفع إلي المسلمون أنّ الغائب والضعيف والجافي العنيف يسألون كيف جاز لموسى أن يولي راشداً.
       قال: فما كان عندنا فيه ارتياب ولا أن يشك فيه ذوو الألباب, فأما الصلت فإنه ضعف وصار إلى حد العجز عن حمايته وعزل نفسه وتبرأ إلى المسلمين من إمامته, وكان اعتزاله شاهراً ظاهراً ووضحت براءته من الإمامة بالبينة العادلة عندنا, قال فلما اعتزل ولى المسلمون راشد بن النظر وبعث الصلت بن مالك إليه بخاتم الإمامة ومفاتيح الخزانة, ولم يعارضه في شيء وهو في جواره قريبا من سنة إلى أن مات, وليس يذهب عليكم ما كان له من الأعوان والإجابة والقدرة من أهل عمان ولو كان مقهورا أو أراد القتال, قال: وعندنا أن موسى كان يريد عز الدين وصلاح المسلمين والذي عرفناه من رأيه وعزمه في آخر عمره أن كان يريد اجتماع أهل العلم والرأي الموثوق بهم[16]".
    -أبو سعيد الكدمي (حي في: 272هـ ):
     يرى أبو سعيد أن المؤمن إذا تولى الله تبارك وتعالى، وتولى رسوله صلى الله عليه وسلم، تولى المؤمنين في الجملة، فقد تولى من يجب عليه ولايته، فلا يجب على العبد ولاية أحد بعينه، وأما أعداء الله فلا يجب عليه علم عداوة أحد منهم بعينه، فلا نعلم أن أحداً من أعداء الله، يجب على أحد من المؤمنين في أصل دين الله عداوته باسمه وعينه، إلا حتى يبلغ إليه علم يقيني بهم[17].
        "وذلك أنه يلقى الواحد منهم المتسمي بالفقه والعلم ممن قد اتزر بالجفوة، وارتدى بالعمى، وأنزل  نفسه على الضعفاء منازل الفقهاء والعلماء على الواحد من الضعفاء المسلمين، فيقول له: إن الولاية والبراءة فريضتان ولا يسع العبد دون يوالي في الله، أو يعادي في الله، ويتولى ويبرأ، وعليه أن من تولاه من تولاه المسلمون، ويبرأ ممن برئ منه المسلمون ولا يسعه دون ذلك والمسلمون قد برئوا من فلان بن فلان ، فلان بن فلان"
     " والعجب العجيب كيف خص الحكم في،...، موسى بن موسى وراشد بن النضر ، والبراءة منهم دون غيرهم من المحدثين والجبابرة والمفسدين وأهل البدع والخلاف في الدين،...،أن يكون الله تبارك وتعالى قد كلف العباد في الولاية والبراءة، أن يعادوا له جميع أعدائه بأسمائهم وأعيانهم، أويوالوا له جميع أوليائه بأسمائهم وأعيانهم، هذا ما لا تحتمله العقول، ويتنافى عن الله في أحكام الأصول وليس له أساس، ولامنه محصول[18]".
   3-الواقفون:
       استخدم مفهوم الوقوف منذ بداية أزمة الإمام الصلت، فوقف من وقف من المسلمين للإشكال الواقع, فكان ممن يقف عنهم أبو الحواري محمد بن الحواري القري, المعروف بالأعمى وأبو إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر ؛ وأبو عبدالله محمد بن روح بن عربي وأبو عبدالله محمد بن الحسن وأبو عثمان بن مشقي بن راشد وأبو محمد عبدالله بن محمد بن صالح وأبو المنذر بشير بن محمد وأبو سعيد محمد بن سعيد[19].
     وعندما تولى الإمام راشد بن سعيد كتب كتاباً جعله صلحاً بين المختلفين في أمر موسى وراشد.
      قال أبو سعيد [الكدمي]: كانت بيعة راشد بن الوليد رحمه الله على الدفاع, وأول من بايع له أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر مع جماعة معه، وبايع أبو مسعود النعمان بن عبدالحميد, وأبا محمد عبدالله بن محمد بن أبي شيخة؛ وأبا عثمان رمشقي بن راشد, وأبا محمد عبدالله بن محمد بن صالح , وأبا المنذر بن أبيّ بن محمد بن روح.
     وقد كانوا عرفوا من بعضهم لبعض تعاتباً في أمر موسى بن موسى وراشد ابن النظر , فلما عزموا على عقد الإمامة لراشد بن الوليد تداعوا إلى الاجتماع على سبب يعرفونه في ذلك, فاجتمعوا هم وغيرهم إلا أبا مسعود النعمان بن عبدالحميد فإنه لم يحضر ذلك قبل العقدة, فاجتمعوا في بيت كان ينزل فيه راشد بن الوليد, وكان المقدم فيهم أبو محمد عبدالله بن محمد بن أبي المؤثر , فاجتمعوا جميعا على أن الواقف عن موسى وراشد والمتبري منهما جميعا في الولاية, وأنهما جميعا مؤتمنان على دينهما في ذلك, ولم نعلم من أحد منهم أنه برئ بغير حق؛ أو وقف بغير حق، وبايعت الجماعة على نحو من ذلك وقبل منهم البيعة , وخرجوا على الناس بالبطحاء من نزوى في جماعة من أهل عمان من نزوى ومن سائر أهل القرى من شرق عمان وغربها من أهل العفاف منهم والفضل والجاه والرياسة؛ مستمعون لذلك مطيعون ؛ لا يظهر لأحد منهم كراهية ولا نكير.
       قال: ودخل الناس في بيعته أفواجاً, ووفد إليه على ذلك الوفود وأخذ عليهم المواثيق والعهود, وبعث العمال والولاة في القرى والبلدان فلم يعترض عليهم أحد, فصلى بنزوى الجماعات وقبض هو وعماله الصدقات وجهز الجيوش وعقد الرايات وأنفذ الأحكام وجرت له في ما شاء الله في المصر الأقسام، ولم تبق بلد من بلاد عمان لم يغلبوا عليها السلطان إلا وجرت فيه أحكامه وثبتت عليهم أقسامه[20].
       وخلاصة هذه المرحلة أن المفاهيم الثلاثة قد استخدمت في إطار المذهب وبين أتباعه، على أساس الخلاف الإيدلوجي، وبرز طريق ثالث-وبقوة- هو الوقوف.
      بعد عرضنا للمراحل التاريخية الثلاثة يتضح أنه تم تطبيقها-أي المفاهيم الثلاثة- على مستويات ثلاثة:
الأول المؤمن المسلم/الكافر والمشرك: المخالف على مستوى الدين.
الثاني المسلم الإباضي/المسلم غير الإباضي: المخالف على مستوى  الحزب السياسي.
الثالث المسلم الإباضي الرستاقي/المسلم الإباضي النزواني: المخالف على مستوى الإيدلوجية داخل المذهب الواحد.
(4/4)
-وجه آخر للحقيقة التاريخية[21]:  
      في البداية يجب أن نفرق بين معنيين للدين: المعنى الروحي المنزَّه والمتعالي، وهو الرعشة العالية والمنزَهة أو التجربة البشرية لما هو إلهي، والمعنى القانوني الرسمي، السلطوي، أو الذي يخلع المشروعية على السلطات السياسية، بمعنى أنه يخلع المشروعية الإلهية على أعمال البشر وقوانينهم وأنظمتهم.
       إن المفردات والمصطلحات الدينية، تبدو ظاهرياً منزهة ولا غبار عليها، ولكنها في الواقع تخفي تحتها كل لعبة الهيمنة والسيطرة التي لا يخلو منها أي خطاب بشري، وإن يكن بدرجات متفاوتة بالطبع[22].
     ويعلق هاشم صالح مترجم الكتاب موضحاً الكلام السابق:"يقصد أركون أن الخطاب الديني القديم يخفي نواياه أو مقاصده الأرضية أو السلطوية تحت غطاء كثيف من المعجم الديني والآيات القرآنية والأحاديث النبوية والتنزيه والتعالي، وهكذا يستطيع أصحابه كسب الأنصار والأتباع بسهولة لأنهم يبدون لا مبالين بهذه الحياة الدنيا ومتعها وشهواتها وأملاكها، ولكن الواقع غير ذلك، فتحت هذا الغطاء الديني والمعجم اللاهوتي تربض كل تصرفات البشر وأطماعهم وشهواتهم"، و"يرى الباحثون المعاصرون أن الناس في القرون الوسطى كانوا يُسيَّرون من قبل العوامل الدينية أو الرمزية أكثر مما يُسيَّرون عن طريق الاقتصاد والماديات[23]"
      وتبرز في هذا الجانب-أيضاً- جدلية العلاقة بين النص والواقع، والنص هنا هو النص الديني التشريعي، والواقع هو الأحداث أي حادثة عزل/اعتزال الإمام الصلت وما أفرزته من أحداث أخرى، فالأحكام لا تأتي من فراغ ولا في الفراغ بل تأتي متأثرة بالواقع ومؤثرة فيه، وملبية لاحتياجاته الفكرية والتنظيمية.
       نعيد السؤال الذي طرحناه في البداية، هل كل هذا الاهتمام بهذه المفاهيم الكلامية الثلاثة-على المستويين النظري والتطبيقي-راجع لأهميتها الدينية والروحية والعقدية، وهل هو تعبير عن امتثال نموذجي للأوامر الإلهية المقدسة والمتعالية؟ أم أن هناك سبباً أو أسباب أخرى؟
      لا ينبغي أن يفهم من كلامنا حول الولاية والبراءة والوقوف أننا نستبعد الجانب الديني منها، بل يضل هذا البعد مكوناً أساسياً لها، لكننا يجب أن نفهم ما رافق عملية تطبيقها حيث يبرز البعد السياسي كدافع أساسي لاستخدامها وذلك لإضفاء المشروعية الدينية على أعمال بشرية لا يقصد بها بالضرورة وجه الله ورضاه.
     فالبسياني يثبت بكل الطرق وجوب السؤال على عامة الناس في الحدث الواقع بعمان، ولا أظن أن إلزامه الناس وخاصة الضعفاء منهم -كماينتقده بذلك الكدمي- بالسؤال إلا تعبير عن استقطاب ممنهج لهم، فالخطاب الديني الرستاقي أخفى نواياه أو مقاصده الأرضية أو السلطوية تحت غطاء كثيف من المعجم الديني والآيات القرآنية والأحاديث النبوية والتنزيه والتعالي-كما فعل البسياني في سيرة السؤال- وهكذا يستطيع كسب الأنصار والأتباع بسهولة فيضمهم للمعسكر الرستاقي، حيث أورد السالمي نصاً مهماً نقلاً عن أبي المؤثر:"فلما خذل الصلت، واجتمع عليه أخلاط الناس، إلا بقية بقيت معه في العسكر، وهم الأقل[24]"، وهذا يفيد أن غالبية الناس أو الشعب قد مالت إلى موسى وراشد، أي للمعسكر النزواني على حساب المعسكر الرستاقي، فما كان منه إلا ممارسة أحد أدواره كعالم دين وهو توظيف مفاهيم الولاية والبراءة وعدم الوقوف، وتجييش متخيل العامة بها، حتى يضمن ميل الكفة لصالح معسكره.
   لكن بعد أن دخلت البلاد في حرب أهلية أكلت الأخضر واليابس، وتعرضها إثر ذلك للغزو الخارجي، بقيادة القائد العباسي محمد بن نور عام 280هـ، وتعرض العمانيين للهزيمة، فجعل أعزة أهل عمان أذلة وقطع الأيدي والأرجل والآذان, وسمل الأعين وأحل على أهلها النكال والهوان ودفن الأنهار وأحرق الكتب، وكذلك تعرضت البلاد لغزو القرامطة، هذه الأوضاع التي دفع إليها توظيف مفهومي الولاية والبراءة، أجبرت العمانيين على مراجعة أنفسهم، هنا يبرز  مفهوم الوقوف.
     فقد كان تعبيراً عن حل للأزمة الحادة، ولما وصلت إليه البلاد من تشتت وخلاف كاد أن يتسبب في انهيار الدولة كلياً، فبدأ يبرز- كموقف متمايز على ساحة الصراع- من خلال كتاب الصلح الذي كتبه الإمام راشد بن سعيد، وكذلك من خلال ما أورده الكدمي عن إتفاق العلماء على بيعة راشد بن الوليد، التي كانت تعبيراً عن صلح-لكنه مؤقت ولم يستمر طويلاً-بين المعسكرين المتقاتلين على المستويين السياسي والفكري.
    لم تكن تلك المفاهيم ذات طابع ديني روحي وتعبدي فقط، بل إلتبست في نشأتها وتطورها بحاجات وضرورات الواقع السياسي التاريخي، وخضعت لعملية توظيف واسعة من قبل الفريقين المتصارعين من أجل خلع المشروعية الإلهية على أعمال بشرية أو عنها، فتلك المفاهيم ليست كما يعرفها البعض ببساطة أو بسذاجة، حيث الولاية محبة أولياء الله، البراءة بغض أعداء الله، بل هما تعبير عن موقف سياسي من الآخر المخالف على مستوى الإيدلوجية السياسية، أما الوقوف فليس هو الكف عن القدوم في أحد بولاية أو براءة، بل هو طريق ثالث يحاول إيجاد مخرج للأزمة.


[1] -السالمي، مشارق أنوار العقول،436
[2] -السالمي، المرجع السابق، 436
[3] - موقع Mzab-Online.Com    18/10/2009
[4] -عبدالرحمن السالمي، "السيرة العمانية كجنس أدبي"، مجلة نزوى ع19/ص، 1999
[5] - مهنا السعدي، "تطور مفهوم الكتابة التاريخية عند العمانيين"، مجلة نزوى، ع57/ص9، 2009
[6] -السالمي، تحفة الأعيان، 1/212
[7] -مخطوط سير المسلمين بمكتبة الشيخ ناصر الخروصي، من الورقة103-112
[8] -المرجع السابق.
[9] -المرجع السابق.
[10] -عبدالملك الهنائي، "قراءة في الاقتصاد السياسي لرسالة ابن إباض لعبدالملك بن مروان"،170، ضمن الملتقى العلمي الأول حول تراث السلطنة قديماً وحديثاً، جامعة آل البيت 1423/2002
[11] -أبوقحطان خالد، السيرة، ص103  ضمن الجزء الأول من كتاب السير والجوابات تحقيق سيدة كاشف.
[12] -السالمي، تحفة الأعيان، 1/160 ومابعدها، بتصرف غير مخل بالمضمون.
[13] -أبو قحطان خالد، المرجع السابق، ص124-126
[14] -ابن بركة، كتاب الموازنة، ص 396، ضمن الجزء الثاني من كتاب السير والجوابات تحقيق سيدة كاشف.
[15] -أبو الحسن البسياني، سيرة الحجة على من أبطل السؤال في الحدث الواقع بعمان، ورقة 154-158 المجلد الأول ضمن مخطوط سير العلماء الإباضية المحبوبية برقم 3557 في مكتبة دائرة المخطوطات بوزارة التراث والثقافة.
[16] -السالمي، تحفة الأعيان،1/
[17] -أبو سعيد الكدمي، الاستقامة، 1/14-16
[18] -المصدر السابق، 1/26-27
[19] -السالمي، التحفة، 1/166
[20] -المرجع السابق، 1/ 166، بتصرف غير مخل بالمضمون.
[21] -تظل الحقيقة دائماً نسبية.
[22] - محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني، 236-237 نقل بتصرف.
[23] - أركون، المرجع السابق،121-122 نقل بتصرف.
[24] -السالمي، التحفة، 1/164